الأربعاء، 19 يونيو 2013

حوار : ميلان كونديرا و فيليب روث حول " كتاب الضحك والنسيان "



كتابي الأخير "الضحك والنسيان" والذي يدور حول تجربة وجودي في فرنسا، يكشف في مساحة جغرافية خاصة، تلك الأحداث التي تدور في براغ بعيون أوروبية، والتي تدور في فرنسا بعيون براغ. إنها مواجهة العالمين. من ناحية، بلدي الأصلي: في مسيرة نصف قرن مجرد كانت قد جرّبت الديمقراطية، الفاشية، الثورة، مخاوف الستالينية، فضلاً عن تفكك الستالينية، الاحتلال الألماني و الروسي، نفي الجماهير وموت الغرب علي أرضه. إنه الغرق تحت أطنان التاريخ والنظر للعالم بتشكك بالغ. من ناحية أخري، فرنسا: ظلت لقرون مركز العالم، والتي تعاني الآن من نقصان الأحداث التاريخية الكبري، لذا فهي تراقب المواقف الفكرية الراديكالية بشغف. إنها التوقع الغنائي والعُصابي لفعل عظيم ما من تلقاء نفسه، والذي لا يأتي، ولن يأتي أبدا.


روث: كتاب "الضحك والنسيان" لا يتم تعريفه كرواية، ثم تعلن أنت داخل النص: هذا الكتاب رواية في قالب المنوعات. إذن، هل هو رواية أم لا؟


كونديرا: فيما يخص الحكم الجمالي الخاص بي، فهو بالفعل رواية، لكني لا أجد مبرراً أن أفرض هذا الحكم على الآخرين. هناك حرية واسعة كامنة في القالب الروائي ومن الخطأ أن نعتبر شكلاً نمطياً ما هو التعريف الأمثل للرواية.


روث: لكن هناك شيئاً ما بالتأكيد يجعل الرواية رواية ويحد من هذه الحرية؟


كونديرا: الرواية قطعة طويلة من النثر التركيبي مبنية علي أحداث وشخصيات مُخترعة. هذه هي الحدود الوحيدة. أقصد بكلمة "تركيبي" رغبة الروائي في معالجة موضوعه من كافة الجوانب وبأكثر صورة محتملة اكتمالاً. المقال الساخر باستخدام المفارقة، السرد الروائي، تطاير الخيالات -الطاقة التركيبية للرواية قادرة على تجميع كل شيء في وحدة متماسكة مثل الأصوات المختلفة في الموسيقي البوليفونية. ولا تنبع وحدة الكتاب بالضرورة من الحبكة لكن أيضاً من الموضوع والتيمة المطروحة. في كتابي الأخير هناك تيمتان أساسيتان، الضحك والنسيان.


روث: طالما كان الضحك قريباً منك. تثير كتبك الضحك من خلال السخرية أو المفارقة. عندما تشعر شخصياتك بالحزن فإن هذا ينبع من ارتطامها بعالم فقد إحساسه بالسخرية.


كونديرا: تعلمت السخرية أثناء فترة الإرهاب الستاليني. كنت في العشرين وقتها، كان يمكنني أن أتعرف على الشخص الذي ليس ستالينياً، والذي لا ينبغي أن أخاف منه، من خلال الطريقة التي يبتسم بها. كان الإحساس بالسخرية علامة تعريف جديرة بالثقة. من وقتها وأنا خائف من العالم الذي يفقد إحساسه بالسخرية.


روث: في كتابك، يحلق الشاعر بول إيلوار فوق الفردوس وأسواره، وهو يغني. هل هذا الجزء من التاريخ الذي تورده في كتابك حقيقي؟


كونديرا: بعد الحرب، يترك إيلوار السوريالية ويصبح واحداً من أكبر المؤيدين لما أسميه "قصيدة الشمولية". تغني بالإخوة، السلام، الغد الأفضل، تغني بالرفقاء ضد العزلة، وبالبهجة ضد الكآبة، وبالبراءة ضد السخرية. عندما حكم قادة الفردوس بالإعدام شنقاً على صديقه في براغ، الشاعر السوريالي زافس كالاندرا، كبت إيلوار مشاعر صداقتهما الشخصية من أجل المثل العليا وأعلن موافقته على تنفيذ حكم الإعدام في صديقه. كان رجال المشانق يقتلون بينما الشاعر يغني. وليس الشاعر فحسب. كانت فترة الإرهاب الستاليني فترة أوهام غنائية. وهذا ما ننساه الآن تماماً، بينما هو جوهر الأمر. يحب الناس أن يرددوا، الثورة رائعة؛ إن الإرهاب الذي يصدر عنها هو شرورها فحسب. لكن هذا ليس صحيحاً. الشر كامن في الجميل، الجحيم يحتويه حلم الفردوس، وإذا كنا نريد أن نفهم كينونة الجحيم لا بد أن ندرك كينونة الفردوس الذي نبع منه. أن تدين معسكرات الاعتقال هو أمر شديد السهولة، لكن أن ترفض شعرية الاستبداد التي تؤدي لمعسكرات الاعتقال في الطريق نحو الفردوس، فهذا أمر أصعب من أي شيء آخر. الآن، يرفض الجميع بشكل واضح فكرة معسكرات الاعتقال، بينما لا يزالون مستعدين لأن تقوم شعرية الاستبداد بتنويمهم مغناطيسياً سائرين نحو معسكرات اعتقال جديدة ولحن جديد للغنائية التي عزفها إيلوار وهو يحلق فوق براغ مثل ملاك يحمل قيثارة، بينما الدخان يتصاعد من جسد كالاندرا من المحرقة نحو السماء.


روث: أغلب رواياتك، تحديدا كل الأجزاء الفردية في كتبك الأخيرة، تجد حل عقدة الرواية في مشاهد المضاجعة. حتي ذلك الجزء الذي يدور تحت الاسم البريء "الأم" هو عبارة عن مشهد جنس ثلاثي طويل له برولوج وخاتمة. ما الذي يعنيه لك الجنس الآن كروائي؟


كونديرا: هذه الأيام، حيث لم يعد الجنس تابو كما كان في الماضي. الوصف المجرد للاعترافات الجنسية أصبح مملاً. كما يبدو د. ه. لورنس أو حتى هنري جيمس عتيقين بغنائيتهما الفاحشة. ولا تزال بعض مقاطع جورج باتاي الإيروتيكية تؤثر فيّ بشكل دائم، ربما لأنها فلسفية أكثر منها غنائية. ملاحظتك صحيحة فيما يخص أن كل شيء عندي ينتهي بمشاهد إيروتيكية كبرى. لدي هذا الشعور أن مشاهد الحب تولد ضوءاً حاداً يكشف بشكل فجائي عن كينونة الشخصيات ويلخص موقفها من الحياة. المشهد الإيروتيكي بؤرة تتجمع فيها كل ثيمات القصة وتتحدد فيها أعمق أسرارها.


روث: الجزء الأخير، السابع، لا يتعامل مع شيء فعلياً خلاف الجنس. لماذا اختتمت الكتاب بهذا الجزء بدلا من أي شيء آخر، الجزء السادس مثلاً مع موت البطلة الأكثر درامية؟


كونديرا: تموت تامينا، وهي تتحدث فيما يشبه الاستعارة، بين ضحكات الملائكة. في ختام الكتاب، وعلى الناحية الأخري، تبدو الضحكات من النوع المناقض، نوع الضحك الذي نسمعه عندما يكون كل شيء بلا معني. هناك بالتأكيد خط متخيل للتقسيم حيث تبدو الأشياء من ورائه سخيفة و عديمة الدلالة. يسأل المرء نفسه: ألا يبدو عبثياً أن أستيقظ في الصباح؟ أن أذهب للعمل؟ أن أكافح من أجل أي شيء؟ أن أنتمي لوطن لمجرد أنني ولدت فيه. يعيش المرء على مقربة من هذا الحد المتخيل ويمكن أن يجد نفسه بسهولة في الضفة الأخرى. هذا الحد الذي يوجد طوال الوقت، في كل مساحات الحياة الإنسانية وحتى في الجنس، الجانب الأعمق، والأكثر حيوية فينا جميعاً. ولأنه، تحديداً، الجزء الأعمق من الحياة، فالسؤال الموجه للجنس هو السؤال الأعمق على الإطلاق. لهذا السبب لم يكن من الممكن أن ينتهي كتابي بنهاية غير هذه النهاية.

الخميس، 25 أبريل 2013

حوار مع ميلان كونديرا

حوار: كرستيان سالمون


 ترجمة: عز الدين محمد زين


.

.
.
.


- كنتَ تقول بأنك تميل لروائيي فيينا أمثال " روبرت ميوسيل"  و" هيرمان بروخ" أكثر من المؤلفين المُحدثين الآخرين. اعتقد بروخ، وأنت كذلك، أن عصر الرواية النفسية قد انتهى. مؤمناً، بدلاً منها، بما دعاها بالرواية الموسوعية»polyhistorical novel».

إنْ (بروخ) و(ميوسيل) قد سببا الحزن للرواية، بتحميلها مسؤلياتٍ هائلة. كانا ينظرانْ للرواية باعتبارها أرقى ما يُؤلفه الذهن. أي أنها المكان الأخير الذي يُمكن للإنسان أنْ يُساءل عبره العالم كَكُلْ. كانا يؤكدان أنْ للرواية طاقةً تأليفيةً ضخمةً؛ إذ يُمكن أنْ تكون شعراً، فنتازيا، فلسفة، مأثورات ومقال. كلٌ في حِزمة واحدة. وقد عمِلَ (بروخ)، في خطاباته، على توضيح هذه المسألة بِعُمقْ. على أي حال. يبدو لي أنَّه، باستخدامه لهذا المصطلح غير الموفق (الموسوعية)، قد زاد من غموض مقاصده.
إنَّ مواطنه، في الحقيقة، (أدالبرت شتيفتر) أحد كلاسيكيي النثر النِمسوي هو من صنع (رواية موسوعية) في روايته (صيف هندي) المطبوعة في العام1857وهي رواية شهيرة؛ حتى أنَّ (نيتشة) عدَّها واحدة من أعظم أربعة أعمال في الأدب الألماني كله. لكنها اليوم لا تُحتمَلْ. فهي مُعبأة بمعلومات عن الجيولوجيا، علم النبات، علم الحيوان، الحِرفْ، الرسم، والمِعمار. لكن هذه الموسوعة الشاسعة والمُنعشة قد تجاهلت عملياً الإنسان ذاته وظرفه. وهذا بالضبط. لأنها (رواية موسوعية). إنَّ رواية (صيف هندي) تفتقد تماماً لما يجعل من الرواية شيئاً خاصاً. مع ذلك فهذا لا يقلِّل من شأن (بروخ). على العكس! فقد اجتهد ليكتشف «ما تستطيع الرواية أنْ تكتشفه لوحدها». أي الموضوع المُعيَّن الذي يحلو لبروخ أن يدعوه ب»المعرفة الروائية»، الوجود.
يجب أن تُعرَّف، في رأيَّي، كلمة (موسوعي). كالتالي: أنْ تَستجلِبَ أي حيلة وأي شكل معرفة من أجل أن تُلقي الضوء على الوجود. نعم. أشعر بأني قريب لهكذا مقاربة.



- جعل مقالك المُطوَّل المنشور في مجلةle Nouvel Observateur الفرنسيين يُعيدون اكتشاف بروخ. فقد تحدثتَ عنه بِزهو، وتأتي الآن لتنقده. . ! كتبتَ في نهاية مقالك: «كل الأعمال العظيمة، ولأنها عظيمة، يَعوزها الكمال». 




يظل (بروخ) مصدر إلهامنا، ليس بسبب ما أنجزه، بل لكل ما سعى له ولم يصله. إنَّ اكتمال أعماله يساعدنا على فهم الحاجة لأشكال فنية جديدة وتتضمن: (1)الكشط العنيف لما هو غير جوهري «من أجل الإمساك بتعقيد الوجود في العالم الحديث دون أن نخسر نصاعة معماره الحي». (2) الطِباق الروائي: «بتوحيد الفلسفة، السرد والأحلام في موسيقى واحدة». (3)خصوصية الخِطاب الروائي، بكلمات أخرى. ستتخلص الرواية من إدعاء أنَّها مُكلَّفة بتبليغ رسائل مُطلقة الصِحة، مكتفيةً بأن تكون افتراضية، لعوب وساخرة.



- يبدو أنَّ هذه النقاط الثلاث ستختزل مُجمل «برنامجك» الفني؟


تحتاج لأن تُتْقِنْ تقنيات الحذف وفن التكثيف من أجل أنْ تجعل من الرواية إضاءة موسوعية للوجود وإلاَّ فإنك ستقع، حتماً، في فخ التطويل اللاَّنهائي. معَ عشقي لرواية ميوسيل ضمن اثنتين أو ثلاث أخريات (الإنسان بلا سمات). لكن، مع ذلك، لا تُطلب مني أنْ أُعجب بما لم يكتمل من اتساعها الهائل!، تخيَّل قلعةً ضخمةً حدَّ أنَّ العين لن تأخذها كاملةً في لمحة. تخيَّل رباعية موسيقية تستغرق تِسع ساعات. هنالك حدود أنثربولوجية نِسب الإنسان لا يُمكن خرقها، كحدود الذاكرة مثلاً. عندما تُكمل القراءة يجب أنْ تكون قادراً على تذكر البداية. إذا لم تستطِع. فستخسر الرواية شكلها؛ «نصاعة معمارها الحي»، ستصبح عكِرة.



- كان بامكانك لو لم تستخدم تقنية الحذف أن تجعل من (كتاب الضحك و النسيان)المُكوَّن من سبعةِ أجزاء، سبع روايات طويلة ومختلفة.


كنتُ سأخسر أهم شيء لو كنتُ كتبت سبع روايات مستقلة. ما كنتُ لأقدِر على الإمساك بتعقيد الوجود الإنساني في العالم الحديث في كتاب واحد. إنَّ فن الحذف ضروري لأنه يتطلب من المرء، دائماً، أنْ يذهب مباشرةً إلى قلبِ الأشياء. بالمناسبة، دائماً ما أفكر في الموسيقِي التشيكي الذي نال إعجابي منذ الطفولةleos janaček):) (ليوس جانا) هو أحد أعظم أساتذة الموسيقى الحديثة، له عزيمة ثورية في الوصول إلى جوهر الموسيقى، طبعاً أيِّ تأليف موسيقي يتطلب الإلمام بالتكنيك: عرض الثيمات؛ تطورها وتنويعاتها، تعددية الأصوات غالباً بشكل تلقائي توظيف الأوركسترا والنقلات. . . إلخ. يستطيع المرء، الآن، أنْ يُؤلِّف الموسيقى بواسطة الكومبيوتر لأنَّ هذا الكومبيوتر يوجد دائماً داخل رأس الموسيقِي يستطيع الموسيقيون، إذا أرادوا ذلك، أنْ يَكتبُوا سوناتات بدون الحاجة لفكرة واحدة أصلية وذلك عن طريق توسيع قواعد التأليف رقمياً. كان غرض (ليوس جانا) هو تدمير هذا الكومبيوتر بوضع المتضادات جنباً إلى جنب بدلاً عن النقلات والتكرار بدلاً عن التنويع ودائماً بالذهاب مباشرةً إلى قلبِ الأشياء: يسمح فقط للنغمة التي لديها شيء جوهري تقوله وتقريباً هذا هو الشيء نفسه مع الرواية: هي أيضاً، محكومة «بتقنية»، بقواعد يُنجِز بها المُؤلِّف عمله: يُقدِّم الشخصية، يصف البيئة، يضع الحدث في سياقه التاريخي، يملأ حياة الشخصيات بحلقات عديمة الفائدة. أيِّ تغيير في المشهد سيتطلب استعراض، أوصاف وتوضيحات جديدة. إن َّغرضى هو مثلي مثل (ليوس جانا) أنْ أُخلِّص الرواية من تلقائية التكنيك الروائيِ؛ من تدوير الكلمة.





- ثاني الأشكال الفنية التي ذكرتها هي «الطِباق الروائي» .


إنَّ فكرة الرواية كمُؤلَّف ذهني عظيم تطرح، غالباً، وبصورة تلقائية مشكلة تعدُّدْ الأصوات»polyphony» وهي المشكلة التي لُم تُحلْ حتى الآن. خُذ مثلاً، الجزء الثالث من رواية (السائرون نياماً) التي تتكوَّن من خمسة عناصر متجانسة: (1)يعتمدُ فيها السرد الروائي على ثلاث شخصيات رئيسة: باسنا وإيسش وهوجيناو (2)القصة الشخصية (لهانا ويندلنغ). (3)الوصف التخيَلي للحياة داخل مستشفى عسكري. (4)سرده لأحداث إنقاذ الفتاة الجندية (5) المقال الفلسفي عن إنحطاط القيم والذي كُتب بلغة علمية، شعرية إلى حدٍ ما. وكل جزء من هذه الأجزاء في غاية الروعة. لكن، وبالرغم من حقيقة أنَّه قد عالج كل هذه الأجزاء بصورة متزامنة في تعاقب ثابت. بكلمات أخرى، «بأسلوب بولوفوني»، إلاَ أنَّ هذه الأجزاء الخمسة هذه ظلت غير موحَّدة بكلمات أخرى، لم تُكوِّنْ (عملاً متعدد الأصوات) حقيقياً.




- باستخدام مصطلح»تعددية الأصوات»مجازاً وتطبيقه على الأدب ألا تكون بذلك، في الحقيقة، قد وضعت على الرواية رهانات لا تستطيع الرواية الإيفاء بها؟



تستطيع الرواية أنْ تضُم العناصر الخارجية بطريقتين: سيلتقى(دون كيشوت)فى مسار رحلاته بعديد الشخصيات التي ستحكي له حكاياها. بهذه الطريقة يُمكن أنْ تُحشر القصص المستقلة في جسد الرواية لتكون متلائمة مع إطار الرواية. وُجِدَ هذا النوع من التأليف، غالباً، في روايات القرنين السابع عشر والثامن عشر. أما (بروخ) فبدلاً من أنْ يدمج قصة (هانا ويندلنغ) في قصة (إيسش وهيغوناو) الرئيسة، تركَ القصتين مفتوحتين تزامناً. استخدم (سارتر) تقنية التزامن هذه في رواية (الناجي من المشنقة) وقبله (دوس باسوس) كان هدفهما على أي حال. هو ربط مُختلَف القصص الروائية مع بعضها البعض. بكلمات أخري، كانت العناصر الروائية في حالة (بروخ) متجانسة أكثر منها متنافرة ِزدْ على ذلك فإن استخدامهما لهذه التقنية كان ميكانيكياً وخالياً من الشعر.
لن أستطيع التفكير في مصطلح أفضل من»تعدد الأصوات « أو»الطِباق» لأصف به هذا النوع من التأليف. وفضلاً على ذلك فإن للتناظر الموسيقى فائدته أيضاً مثلاً: أول شيء أزعجنى فيما يختص بالجزء الثالث من رواية (السائرون نياماً) هو أنْ الأجزاء الخمسة غير متساوية بينما يُعتبر تساوى الأصوات في الطِباق الموسيقي، القاعدة الأساس، الشرط اللاَّزم»sin qua non». يشغل أول عنصر في عمل بروخ (السرد الروائي ل إيسش وهوغيناو) مساحة مادية أكثر من العناصر الأخري. بل، حتى أكثر أهمية. وقد تم تفضيله لأنه يربط بين الجزءين اللذين يسبقانه ولذلك أدَّعى مَهمة توحيدها وهذا ما جعله يحوز على الإهتمام الأكبر، مُهدداً، من ثمَّ، بتحويل العناصر الأخري إلى محض ملحقات. الشيء الثاني المزعج هو أن موسيقى «الفوغا» التي أشتغل عليها باخ لم تكن لتكتمل إلا بتساوي الأصوات، مع ذلك، يمكن لقصة (هانا ويندلنغ) أو مقال (إنحطاط القيم) أن يُشكلا عملاً مستقلاً. يمكن أن نأخذهما منفصلين دون أنْ يفقدا معناهما أو سَمتَهُما. أنا أرى أنَّ المتطلبات الأساسية للطِباق الروائي هي (1)تساوى مُختلف العناصر الروائية(2)عدم تشتت عناصر النص. ما زلتُ أذكر اليوم الذي أنهيتُ فيه كتابة الجزء الثالث من كتاب (الضحك و النسيان)، فقد كنتُ فخوراً بنفسي . إذ تأكدَ لي بأنني قد اكتشفتُ المفتاح الذي سأصِل به لطريقة جديدة في وضع عناصر النص مع بعضها البعض. وكان النص يتكون من العناصر التالية: (1)حكاية الطالبتين وتحليقهما. (2)سرد لسيرة ذاتية (3)مقال نقدي عن كتاب للحركة النسوية. (4)أقصوصة شعبية تتحدث عن الملاك والشيطان(5)سرد حُلمي عن (بول إيلوار) وهو يَعبُر سماء براغ . لا يمكن لأي عنصر من هذه العناصر أن يوجد بمعزل عن العناصر الأخري وكل واحد منهما يشرح ويضيء نفس الثيمة ويسأل ذات السؤال: ماهو الملاك؟
يتكوَّن الجزء السادس وهو بعنوان الملاك أيضاً من:(1) سرد حُلمي لوفاة تامينا(2)سرد سيرة ذاتية لوفاة أبي(3)تأملات في علم الموسيقي (4)تأملات في وباء النسيان الذي اجتاح براغ . ماهو الرابط، إذاً، بين أبي وبين تعذيب الأولاد (لتامينا)؟ الرابط هو إلتقاء ماكينة خياطة بمظلة على طاولة ثيمة واحدة. وذلك لاقتباس صورة (لوتريامون) الشهيرة إنَّ «تعددية الأصوات داخل الرواية» تقوم على الشعر أكثر من التكنيك. لن أستطيع أن أعثر على هكذا مثال من الشعر «تعددي الأصوات» في أي مكان آخر في الأدب، لكني للأمانة كنت مبهوراً جداً بأفلام(Alain Resnais)الأخيرة إنَّ استخدامه لفن الطِباق يُثير الإعجاب.





- يبدو أَنَّ فن الطِباق لم يظهر بوضوح في كتابك (كائن لا تحتمل خفته).

 

كان ذلك هدفي، فقد أردتُ أنْ يتدفق الحُلم، السرد والتأمل في مجرى واحد بحيث لا يُمكن فرزهم. لكن الشخصية (البولوفونية) داخل الرواية كانت لافتة جداً في الجزء السادس: قصة إبن ستالين، التأملات اللاهوتية، حدث سياسي في آسيا، وفاة (فرانز) في بانكوك وجنازة (توماس) في بوهيميا كل هذه الأحداث قد تم ربطها بالسؤال الأبدي: ماهو «الإبتذال». هذه القطعة (البولوفونية) هي العمود الفقري لكامل بنية الرواية؛ هي مفتاح سر معمارها.





- بِدعوتك لخصوصية الخطاب الروائى، تكون قد عبَّرت عن تحفظات عديدة بشأن مقال (إنحطاط القيم) المُضمَّن في رواية (السائرون نياماً).


إنه مقالٌ فظيع.






- لديك شكوك فيما يختص بالطريقة التى اُقحِم بها في الرواية، لم يُكوِّن (بروخ) لغته العلمية فقد عبَّر عن رُؤاه جهراً دون أن يختبئ خلف إحدى شخصياته ربما يفعلها (مان) أو (ميوسيل) أليست هذه هي إضافة (بروخ) الحقيقية، تحديه الجديد. ؟



هذا صحيح. وقد كان واعياً جداً بشجاعته وبامكاناته، لكن. أيضاً، هنالك مخاطرة؛ إذ يُمكن أن يُقرأ ويُفهم مقاله كمفتاح آيدولوجى للرواية، أي حقيقتها. وهذا من شأنه أنْ يُحوِّل باقي الرواية إلى مُجرد برهنة على فِكر مُعيَّنْ. إذن، فسيختل توازن الرواية؛ستصبح الحقيقة التي ينطِق بها المقال ثقيلة جداً مما يُعرض معمار الرواية الدقيق لخطر الإنهيار. الرواية التي لا تنتوي شرح أطروحة فلسفية(كان بروخ يكره هذا النوع من الروايات) قد تنتهي إلى أن تُقرأ بذات الطريقة. كيف يُمكِن لأحدنا إقحام مقال في الرواية. مِنْ المُهم أنْ نضع في ذهننا حقيقة أساسية:يتغير جوهر التأمل في اللحظة التى يُضمَّن فيها في جسد الرواية . أما خارج الرواية فسنجد أنفسنا في مملكة اليقينيات: كُلُنا، سواء أكنا، فلاسفة أو سياسيون أوبوابون فاننا واثقون مما نقوله. أما الرواية، علي أي حال، فهي الإقليم الذي لا يُسمح فيه لأحد بصناعة اليقينيات؛هي إقليم اللَّعب و الأفتراضات. إنَّ جوهر التأمل ، داخل الرواية، هو الافتراض.





- لكن لماذا يُريد الروائي أن يحرِم نفسه من الحق في التعبير عن فلسفته جهراً وبكل وُثوقية في الرواية؟



لأنه لا يملك فلسفة!يتحدث الناس، عادةً، عن فلسفة (تشيخوف) أو (كافكا) أو (ميوسيل). لكن حاول أن تجد فلسفة متماسكة في كتاباتاهم !وحتي عندما يعبِّرون عن أفكارهم في مذكراتهم ستجد أن هذه الأفكار تُعبِّر عن تمارين ذهنية، لعِب بالمفارقات أو إرتجالات أكثر منها تعبيراً عن يقينيات فلسفة ما. ولم يكن الفلاسفة الذين كتبوا روايات شيئاً، غير أنهم انتحلوا صورة الروائي، مستخدمين شكل الرواية من أجل البرهنة على أفكارهم. لم يكتشف فولتير أو كامو أبداً «ما تستطيع الرواية وحدها أْنْ تكتشفه» أعرِف استثناءً وحيداً؛(ديدرو) في روايته(جاك القدرى). أيِّ معجزة؟ أنْ يُصبح الفيلسوف الجاد، بعبوره لتخوم الرواية، مُفكراً أُلعُبان. ليست هنالك كلمة واحدة جادة، كل ما فيها يلعب. ولهذا السبب أُجْحِفَ بحقها في فرنسا بشكل واضح . بالطبع ، إنَّ رواية (جاك القدري) تحتوي على كل ما تفتقده فرنسا وترفض استعادته. في فرنسا يُفضلون العمل المليئ بالأفكار، وبما أنَّ(جاك القدري)لا يمكن ترجمتها إلى لغة الأفكار، لذا فلا يمكن فهمها في وطن الأفكار، فرنسا.



- طوَّر (جاروسلاف) في رواية (المزحة) نظرية في علم الموسيقي إذن، فالشخصية الافتراضية لأفكاره واضحة، لكنك في رواية (كتاب الضحك و النسيان) كنت أنتَ شخصياً، كمؤلف، من توسط لعرض تأملات في علم الموسيقي إذن، كيف لي أن أفهم ما إذا كانت هذه التأملات افتراضية أم وُثوقية؟.




كل ذلك يعتمد على الروح، كانت نيتي من أول كلمة أن أُعطي هذه التأملات روح لعوب، ساخرة، إستفزازية، تجريبية أو مُتسائلة. كل الجزء السادس من (كائن لا تُحتمل خِفته) المسيرة العظيمة عبارة عن مقال في الابتذال يشرح أطروحة أساسية: الابتذال هو الإنكار المطلق لوجود القرف. تأملاتي عن الابتذال هذه ذات أهمية محورية بالنسبة إلى إذ إعتمدتْ على معاجلة دقيقة للفكر والتجربة والدراسة وحتي العاطفة. أضف إلى ذلك أن الروح كانت استفزازية ولم تكن جادة أبداً. هذا المقال لا يمكن التفكير به خارج الرواية هو وسيلة روائية بحتة.






- تتضمن «تعددية الأصوات» في رواياتك عنصراً آخر؛ السرد الحُلمى الذي يَشغل الجزء الثاني من (الحياة في مكان ما) وهو، أيضاً، قاعدة الجزء السادس في (كتاب الضحك و النسيان) ويتدفق من خلال كتاب (كائن لا تُحتمل خِفته)عبر أحلام تريزا؟



هذه القطع أيضاً، من السهل إساءة فهمها لأن الناس يريدون أن يجدوا فيها بعض الرسائل الرمزية. لا يُوجد في أحلام تريزا شيئاً مُشفراً. إنما هي قصائد عن الموت يكمُن معناها في جمالها، تلك التي بفضلها نامت (تريزا) مغنيطيسياً. بالمناسبة، ألم تلاحظ أن الناس لا يَعرفون كيف يقرأون كافكا وذلك ببساطة لأنهم يريدون أن يَفُكُوا شيفرته، فبدلاً من أن يتركوا أنفسهم ليحملها خياله النادر، تجدهم قد راحوا يبحثون عن رموز، ليخرجوا بلا شيء سوى الكليشيهات. الحياة عبثية أم (غير عبثية)؟. الإله لا يمكن الوصول إليه (أو يمكن). . . إلخ. لن تفهم شيئاً عن الفن، خصوصاً الفن الحديث، إذا لم تفهم أن الخيال قيمة في حد ذاته. كان (نوفاليس) يعلم ذلك عندما مدح الأحلام قائلاً:»إنها تُخلِّصنا من رتابة الحياة وتُحرِّرنا من الجدية ببهجة ألعابها». هو أول من فهم الدور الذي يُمكن أن تلعبه الأحلام والخيال شبيه الأحلام في الرواية . كان قد خطط لكتابة المجلد الثاني من كتابه (هاينغش فون أوفتردِنغن)بإستخدام السرد الذي تكون فيه التوأمة بين الحلم والواقع للدرجة التي لا يُمكن فيها أن نفصل بينهما. لكن للأسف فكل ما تبقى من ذلك الجزء الثاني هو عبارة عن ملاحظات وَصف فيها (نوفاليس) نواياه الجمالية. سيأتي كافكا، بعد مائة سنة، ليُحقق طموحه هذا إنَّ روايات كافكا هي إلتحام الحُلم بالواقع أي أنها قبل كل شيء، ليست بِحلم وليست بواقع مُحدثاً بذلك ثورة جمالية، مُعجزة جمالية. طبعاً لا يُمكن لأحد أن يُكرر إنجازه لكنِّي أُشاركه، ومعه (نوفاليس)، الرغبة في جلب الأحلام إلى الرواية وأفعل ذلك عن طريق (تعددية الأصوات التقابلية)بدلاً عن لحم الحُلم بالواقع. إن السرد الحُلمي واحد من عناصر الطِباق. ليست هنالك أي (تعددية أصوات) فيما يختص بالجزء الأخير من كتاب (الضحك والنسيان) ومع ذلك على الأرجح، يظل هو الجزء الأكثر إمتاعاً في الكتاب يتكوَّن من أربعة عشر فصلاً تَروي أوضاعاً( إيروتيكية) في حياة رجل (جان، Jan). سأُتحِفك بمصطلح موسيقي آخر، هذا السرد يسمي (تنويعات الثيم) الثيم هي الحد الذي تفقد وراءه الأشياء معناها، تنكشف حياتنا في المنطقة المجاورة لهذا الحد ونخاطر بعبوره في كل لحظة. إنَّ الأربعة عشر فصلاً هي أربعة عشر تنويعاً لذات الوضع الإيروتيكى الواقف على الحدود بين المعنى واللاَّمعنى.




- لقد وصفتَ كتاب (الضحك و النسيان) بالرواية التي تعتمد شكل التنويعات لكن أستظل، مع ذلك، رواية؟



لا تبدو كرواية. لأن الأحداث غير مُوحَّدة لن يستطيع الناس تخيل رواية غير موحَّدة. حتى أن تجارب (الرواية الجديدة) كانت قد اعتمدت على وِحدة الحدث(أو اللاِّحدث)، كان (شتيرن) و(ديدرو) يستمتعان بِجعل الوِحدة مُهشمة. تشغل رحلة (جاك) وسيده أصغر الأجزاء مساحةً في رواية(جاك القدري) وهي ليست أكثر من ذريعة كوميدية يستغلها ليدمج بها النوادر، القصص والأفكار ومع ذلك تظل هذه الذريعة، هذا الإطار، ضرورية من أجل أن تُشعرك الرواية بأنها رواية. لم يَكُن في كتاب (الضحك والنسيان) أي ذريعة من هذا النوع. إنَّ وِحدة الثيمات وتنويعاتها هي التي أعطت التماسك للكُل. أهي رواية؟ نعم. الرواية هي واسطتنا للوجود نراه عبر شخوصها المُتخيَّلة. إن الإطار حرية لا نهائية. لم تَعرِف الرواية طوال تاريخها كيف تستفيد من إيجابيات إمكاناتها اللاَّنهائية. لقد فوتت فرصتها.





- لكنْ باستثناء (كتاب الضحك والنسيان) نجد أن كل رواياتك تعتمد على وِحدة الحدث. بالرغم من أن رواية(كائن لا تُحتمل خِفته)ينقصها الكثير من التنويع.




نعم. لكن ثمةَ أنواعاً أخرى من الوِحدة وأكثر أهمية؛ ستُكْمِلُها: وِحدة ذات الأسئلة الميتافيزيقية ذات الموتيفات و التنويعات»موتيف الأُبوة في حفل الوداع مثلاً». لكني أريد أنْ أؤكد أهمية أنَّ الرواية قد انبنتْ ابتداءً على عدد من الكلمات التأسيسية، مثلها مثل سلسلة ملاحظات(شوينبيرج)وهي في كتاب (الضحك و النسيان) كالآتي: النسيان، الضحك، الملائكة والحَّد. وقد تم عبر مسار الرواية تحليل ودراسة وتعريف وإعادة تعريف هذه الكلمات المفتاحية الخمس. لتُحوَّل، مِن ثمَّ، إلى مراتب وجود. إذن، فقد بُنيتْ الرواية بالإعتماد على هذه المراتب الخمس بنفس الطريقة التي يُبني بها البيت إعتماداً على دعاماته. ودعامات الضحك و النسيان كالآتي: الوزن، الخفة، الروح، الجسد، المسيرة العظيمة، السخط، الإبتذال، الرحمة، الدُوار، القوة والضعف. وبسبب من شخصيتها التصنيفية لا يُمكن لنا أنْ نستبدل هذه الكلمات بأي مُرادفات أُخرى. ولهذا السبب فقد قتلتُ هذا الأمر شرحاً للمترجمين، الذين في غمرة بحثهم عن جمال الأسلوب يفضلون تفادي التكرار.



- أخذاً في الاعتبار لنصاعة مِعمار الرواية فقد صعقتني حقيقة أَنَّ كل رواياتك باستثناء واحدة فقط، مُقسمة إلى سبعة أجزاء




عندما أنهيتُ كتابة روايتي الأولى(المزحة) لم يدهشني أَنَّها أنتهت بسبعة أجزاء. ثم كَتبتُ بعدها (الحياة في مكان ما) و التي لم تُشعرن بالرضا وهي تنتهي بالجزء السادس. فجأة خطرت لي فكرة تضمين قصة تدور أحداثها في ثلاث السنوات التي تلي موت البطل بكلمات أخري، خارج الإطار الزمني للرواية، الآن أصبح للرواية جزءها السابع المعنون ب(رجل في منتصف العمر)بعدها مباشرةً أخذ معمار الرواية يكتمل. أدركتُ فيما بعد مدى التشابه الغريب بين هذا الجزء السادس والجزء السابع لرواية (المزحة) والذي يُقدِّم، أيضاً، شخصية خارجية ويفتح كذلك نافذة سرية في جدار الرواية. بدأت رواية(غراميات مضحكة)بعشر قصص قصيرة مُستبعِداً منها في نسختها النهائية ثلاث قصص وقد تماسكت هذه المجموعة بشكل جيِّد فاتحةً، بذلك، الطريق أمام مؤلَف(الضحك والنسيان). هنالك شخصية واحدة هافل تربط بين قصتي الجزء الرابع والسادس من هذه الرواية. يتم أيضاً الربط بين الجزء الرابع و السادس في (كتاب الضحك والنسيان) بواسطة شخصية واحدة هي:(تامينا). عندما كتبتُ(كائن لاتُحتمَل خفته)كنت عازماً على كسر سحر الرقم سبعة. وقد أحسستُ بطولها منذ اللحظة التي قررتُ فيها بشأن الخطوط العريضة للجزء السادس، لكنَّ اللاَّ شكل الذي وسَمَ الجزء الأول كان دائماً صادماً. أخيراً، فهمتُ حقيقة أنه مُكَوَّن من جزئين . كالتوأم السيامي، لذا فسينفصلان بطريقة جراحية رقيقة. إنَّ السبب وراء كل الذي قلته هي رغبتي في أنْ أخبرك بأنني لستُ منغمساً في حنين خرافي للأرقام ولا أعتمدُ الحسابات العقلانية أيضاً، كل ما في الأمر هو أنني مدفوع بحاجة عميقة، لاواعية وغير مفهومة؛ نمط معماري لا مهرب لي منه. ومع ذلك، فقد ظلت تنويعات المِعمار في رواياتي كلها تعتمد على الرقم سبعة.





- استخدامك لسبعة أجزاء محبوكة جيَّداً ومُقسمة يرتبط، بكل تأكيد، بهدفك في تركيب عناصر أكثر تجانساً لتندغم في كُل مُوحَّد. أي جزء في الرواية هو عالم بذاته ويتميز بشكله الخاص. لكن، إذا كنت قد قسمتَ الرواية إلى أجزاء مرقمة فلماذا إذاً، تُقسِم الأجزاء نفسها إلى فصول مرقمة؟




يجب أنْ تخلق الفصول لنفسها أيضاً عالمها الصغير الخاص، يجب أنْ تكون مستقلة نسبياً. وهذا ما دفعني للإلحاح على الناشرين أنْ يتأكدوا من أَنَّ الأرقام مرئية بوضوح وأن الفصول مفصولة تماماً.



- تتكوَّن رواية (حفل الوداع) من خمسة أجزاء سعياً منها لأنْ تُستَثنى من قانون الرقم سبعة. ؟



اعتمدت رواية (حفل الوداع) على نمط معماري صارم ومختلف هي حتماً متجانسة، فهي تعالج موضوعاً واحداً وقد سُرِدت بإيقاع واحد إنَّها مُمَسرحة ومُهندمة تنتمي بشكلها للدراما الهذلية ستجد في رواية(غراميات مضحكة)أَنَّ قصة (حفلة الشراب)قد بُنيت بنفس الطريقة؛هذلية في خمس فصول.





- ماذا يعني لك الهذَل؟


أعني به التأكيد على الحبكة وعلي جميع فِخاخ مصادفاتها اللاَّمُتوقعة والمُذهلة . لا توجد حيلة في الرواية قد أُتهمت بالمُريبة والسخيفة والنمطية و البايخة و المسيخة كما أُتهمت الحبكة وهذليتها المبالغ فيها. حاول الروائيون منذ (فلوبير) أنْ يجتنبوا الحبكة المصطنعة. مما جعل الرواية أكثر قتامة من قتامة حيواتنا. تظل، مع ذلك، طريقة أخرى لدحض تُهمة المُريبة عن الحبكة واستغلالها بأقصى درجة ممكنة وذلك بتحريرها من مطلب الاحتمالية، أنْ تحكي قصة مُفاجِئة اختارت هي أن تكون مُفاجِئة. هذه هي الطريقة التي صور بها (كافكا) رواية (أميركا). ستكون سلسلة المصادفات اللاَّمتوقعة هي الطريقة التي سيلتقي بها (كارل) بعمِه في الفصل الأول. دخل (كافكا) إلى كونِه الأول(السيريالى)؛ إلى محاولته الأولي في لحم الواقع بالحُلم عبر التقليد التهكمي للحبكة عبر باب الهذل.




- لماذا تختارُ الشكل الهذليِّ لرواية ليست مَعنيةً على الإطلاق بالتسلية؟.



لكنها مسلية! أنا لا أفهم هذا الاحتقار الذي يُكِنهُّ الفرنسيون للتسلية لماذا يخجلون من كلمة"divertissement"التسلية. هم يخافون من مخاطرة أن يتسلوا أكثر من خوفهم من مخاطرة الوقوع في الملل. مع أنهم يخاطرون بالوقوع في الابتذال؛ تلك الزخرفة الحلوة والزائفة للأشياء، الخِفة الوردية التي غمرت، حتي، أكثرالأعمال حداثةً كشعر (إيلوار) أو فيلم(إيتوغ إسكول) الأخير(الكرة). كل هؤلاء يُمكن أنْ نضع لأعمالهم العنوان الفرعي التالي: تاريخ الابتذال الفرنسي»نعم». ليست التسلية هى المرض الجم إلى الحقيقي بل الابتذال! لقد بدأت الروايات الأوروبية العظيمة بالتسلية وهي التي أي التسلية يحنُّ لها أيِّ روائيّ حقيقي. فى الحقيقة، إنَّ ثيمات هذه الروايات جادة جداً فكِر في (سرفانتس)!. يطرح فصل (حفل الوداع) في رواية (دون كيشوت)السؤال التالي: أيستحق الإنسان أن يعيش على هذه الأرض؟ أينبغى لأحدنا أن يُحرِّرْ هذا الكوكب من براثن الإنسان؟ كان طموح حياتي أنْ أُوحِّدْ بين أكثر الأسئلة جِدية بأكثر الأشكال خِفةً. وليس هذا طموحاً فنياً بحتاً. إنًّ التوليف بين الشكل العابث و الموضوع الجاد سيُميط اللثام فوراً عن حقيقة أحلامنا(تلك التي تظهر في النوم والأخرى التي نَلعبُها على مسرح التاريخ) وعن تفاهتها الفظيعة. نحن نُجرب الخِفة التي لا تُحتَمل لوجودنا.



- إذاً، فقد كان بإمكانك أنْ تستخدم عنوان روايتك الأخيرة كعنوان لرواية (حفل الوداع)؟.





يُمكن لأي واحدة من رواياتي أنْ تُعنوَّن ب(كائن لا تُحتمل خِفته)أو (المزحة) أو(غراميات مضحكة). هي عناوين مُتعاوضة وتعكس العدد القليل من الثيمات التي استحوذت علي وعرَّفتني. وللأسف قيدتني. !لا أملك ما وراء هذه الثيمات شيئاً أقوله أو أكتبه.




- هنالك، إذاً، نمطان معماريان يسِمان تأليف الرواية عندك:(1) «بولوفوني»؛ وهو النمط الذي يُوحِّد بين مُختلف العناصر المتنافرة في عُمارة تستند إلى الرقم سبعة. (2)الهذل؛ويقوم على تجانس العناصر، المسرحة والإدهاش. إذنْ، هل ثَمةَ «كونديرا ما»خارج هذين النمطين المعماريين؟



وددتُ لو أكذب. . . لكني لم أقدر على الهرب من حالة الثنائية هذه بعد.

الأربعاء، 24 أبريل 2013

منزل الأخت الصغرى

 منزل الأخت الصغرى

منزل الأخت الصغرى.
ناظم السيّد
شعر - 108 ص 
الكوكب-
رياض الريس للكتب والنشر.

.
.
.
الإهداء :

إلى سحر الأطرش فوق الأيدي.


.
.
.



الجزء الأول :

تفريق المفرد
.
.

( نصائح الآخرين ) :

لا أفعل شيئاً سوى كتابة نصائح الآخرين
أكتبها على أوراق صغيرة وأضعها في الجارور المعتم
بعد فترة طويلة أو قصيرة أعود إلى هذه النصائح
ولا أتفاجأ حين أجدها لا تشبه تلك التي قُدّمت إليَّ
لهذا أكتبها
تلك النصائح
وأتركها هناك تتغيّر من تلقاء نفسها.


.
.


( هذا الانتظار ) :


في المكان ذاته
حفرتُ طويلاً
وما كان همّي أن أجد شيئاً
أو أثراً أو مقعداً أو حتى عظاماً
كلُّ ما طمحتُ إليه
أن تتغيّر- مع الإصرار- يداي.



.
.


( يوم هناك ) :


من موقعي هذا في البحرِ
أرفع يدي وأقول:
هاي يا أرض
ولدت هناك
لأرافق الآن مشيتكِ بالسباحة والتحيات
لقد صرتُ في المياء
ولا يربطني بكِ سوى هذا الفم العائم
تذكارِ اليابسة.


.
.


( الخيط الأعمى ) :


لو كنت احتكاك الأكتاف في الأماكن المزدحمة
التصفيق المتعاطف
الرقبة التي تلتفت لتغيّر مشهداً وتنقل حياة
أو الثرثرة الحماسية والواهمة للخارجين من صالة سينما
لو كان لي اكتفاء بلاطات الغرفة بالمجاورة
أو النظرة التي لا تعرف ماذا ترى الآن
بعدما فقدت صلتها نهائياً بالعين
لو كنت الخيط الأعمى تدلّه الإبرة على الطريق.


.
.


( بعد السباحة ) :


أسندتُ السماء على سطح بناية
على جبل
على الطرف القصيّ للبحر
على نظرات الممددين على ظهورهم بعد السباحة
غرقى الأعالي.


.
.


( محاصيل ) :


ممداً على ظهري
على بطني
على جمبي
على كلّ الجهات المؤلمة حين تكون الأرض.


.
.


( برهان الوحدة ) :


وحيداً
مثل الماء قرب الماء في البحر
مثل السماء التي تستريح عند الأطراف
وتهذي في الوسط
مثل يد تلوّح لظهر
مثل عين جنب عين
وحيداً
مثل الغابة مع كل هذه الأشجار.


.
.


( استعادات ) :


لا أحب مغادرة شيء
مثلاً
حين أترك بيتاً كنت أستأجره أتألم
حين أتخلى عن كنبةٍ قديمة
أو حذاء كنت أنزّهه بعناية تماماً كقدميّ
العادات السيئة أيضاً أفارقها بندم
الأمراض التي تزول لكنّها تخلّف ألمها الدائم
وهذه الكسور القديمة تحت الجلد
الجروح الموزّعة في الوجه والرأس واليدين والرجلين
أشتاق إلى أوجاعها المعطّلة
الأشياء كلها أعيشها مستعادة
كأن حياتي ليست أكثر من وجه
ملصق بإحكام على نافذة قطار.


.
.


( انتهاء ) :


تخليتُ عن رغبات كثيرة
الرغبة الوحيدة المتبقية
حين أكون عنيداً
أفعل الأشياء بملء إرادتي
كما لو أن ملء الإرادة
نوع من القدَر.


.
.


( آه كم أنا في الوسط ) :


استعملتُ وعودي كلها
و ها أنا
أجلس مع حاضري
ملتصقاً به مرتجفاً
كسابحٍ نادم بين ضفتين
يقيس أمامه بخلفه.


.
.


( فكرة واحدة ) :


عشتُ بفكرة واحدة
قليلاً ومشوّشاً
كعشبةٍ رأت نفسها في عين بقرة.


.
.


( مترجمو النوم ) :


لا، لم أفعل شيئاً في حياتي
سوى هذه الأحلام الخالدة
أناس غيري سيواصلونها
متغلبين بها على العيش
من هذه الأحلام
سيصنع آخرون منازل
سيحرزون تقدماً في وظائفهم
ويربّون أزهاراً شبيهة بالأطفال
الآخرون واقعي.


.
.


( وسائط حياتي ) :


لا أعرف كيف تتراكم الأوراق والكتب في بيتي
لكنني أعرف أنها دليل على كآبتي
هذه قد تكون وقائع حياتي
تماماً كما أتعرّف من خلال الأبراج على يومي
إنها الوسائط تأخذ بيدي
أمام هذا الذي ينتحل حياتي
ويستثني شكلي بينكم.


.
.


( مكابدة المنام ) :


يحدث أن أقوم في منتصف الليل
باحثاً عن صوتي
الذي مازال نائماً
غارقاً في الحلم نفسه


من هنا أراه
مبللاً بالعرق
لاهثاً باتّجاه الواقع.


.
.


( البحر أيضاً يقف قبالتي ) :


يابحر
يا حبة الدواء الكبيرة
يا مقفلاً كدكاكين الظهيرة
يا مثلي
ساذجاً وتظنّ نفسك أزرقَ
إنني أقف قبالتك
بقدم مهزومة وقدم منتصرة
وهذه التي تقول " باي " يدي
قل لها شيئاً
قل لها - مثلاً - التفكير في الآخرين أسهل.


.
.


( آه طبعاً ) :


منذ متى اكتفيتَ من القصائد بعناوينها؟
وصرتَ تظن أن العناوين توازي تأليف كتاب؟
تقول سأكتب كتاباً أسمّيه " علي الميت "
وآخر بعنوان " الوالد الشفهي "
وأصبحت ترتاح لهذا التدبير
لهذه الكلمات القليلة التي يتلوها عالم شاسع وأبيض
أبيض ومؤجل
مؤجل آه طبعاً لكننه متحقق ياحسرة.


.
.


( تمرين النظر ) :


ألمٌ صامت
حتى أشير إليه
عندئذ فقط
يتقدم ويقول لي :
كنت سعيداً من دونك


في السهل جبال محتملة
لا تراها العين


ليست دائرة إذاً
إنها أفعى تعض ذيلها.


.
.


( أناس حقيقيون ) :


لا يخالف أمر الدكتور
أربع حبات يعني أربع حبات
لكنه
حين يمر في شارع الحمرا
يومياً
يرفع يده لأشخاص
ما إن يقترب منهم
حتى يكتشف أنه لم يرهم في حياته
أربع حبات تجعله
سميناً فعلاً
بأشخاص وهميين.


.
.


( الذين يشبهونني ) :


أستخرج أعدائي من جسمي
وبينما أسير على الطريق
ألصقهم بصدور وظهور
بوجوه ورقاب
وأحقد عليهم
هؤلاء الذين يشبهونني الآن
هؤلاء الذين أنتقم بهم من نفسي.


.
.


( ذات مرة وكل مرة ) :


أدور في الشوارع
حاملاً رأسي تحت إبطي
مغلقاً فمه
بيدي التي انتزعتها
من مستقبل شخص آخر.


.
.


( عدت إلى الكنبة ) :


تأملتُ حياتي تحدث قربي
عاجزاً عن وشوشتها
أو حتى قرصها من تحت الطاولة
في الأيام التالية
رافقتها إلى الباب
وعدتُ إلى الكنبة
أنمو مع أشياءٍ كثيرة وصلبة.


.
.


( مرآة السيارة الجانبية ) :


أبتسم لنفسي في وجوه الآخرين
أبتسم لكلِّ شيء تقريباً
لعبارات المراهقين على الجدران
للبحر الجاهل مثلي
أشمله بنظرة غير مقصودة
أرقص في الحانة مقلّداً آلام الحيوانات
أحتاج إلى مبالغات كثيرة
لأقطع هذا الشارع
لأقطع هذا الليل
هذا النهار
لأطرد حالي من مشاعر
كما تطرد مرآة السيارة الجانبية طريقاً وراءها.


.
.


( حين ألتقي بالحظ ) :


وجدتُ متعة في انحرافي عن الحظ
هو أيضاً كان سعيداً في ابتعادي عنه
لنفترض أننا ترافقنا
مالذي سيناله مني
سوى هذه الرفقة المتنكرة له؟
هكذا أحسن
كلٌّ في طريقه
وحين نلتقي لن يضيف واحدنا إلى الآخر شيئاً
نلتقي ندّين : متعباً وناقصاً.


.
.


( ما تبقى من هواياتي ) :


ما حاجتي إلى الزخرفة
أمام هذا الألم
مستسلماً لهوايتي الأخيرة:
أن أخمّن أنواع السيارات من أصواتها
عاجزاً عن معرفة
لماذا لا تموت العصافير وهي تطير.


.
.


( سعيتُ إلى هذا ) :


من الأغاني أتيت
من التكرار
من الخرافات والتقشّف
طامحاً أن أغرق بالقطن
أن أتمدد كالتراب
جاهلاً بكل ثمرة تجهلني.


.
.


( بين جهلين ) :


من الهرّة النائمة على العشب
عرفت أن الهواء لطيف
رافقيني إذاً أيتها الهرّة
مثل عصا الأعمى
تنطق بأرصفة وحيطان
بسلالم وفراغات
رافقيني لأعرف المزيد
مثل أي وسيطٍ بين جهلين.


.
.


( مما كنته ) :


اليأس حين أخرج لمصافحة جميع الناس
حين أخطو خارج نفسي تلك الخطوة الاعتيادية
ومما كنته
أستطيع أن أراقب ذلك الذي تقدّم
كالفجأة بلا ماضٍ
ويداه الوحيدتان بلا أعمى يشجعهما.


.
.


( كنت أسرع منهما ) :


الفرح والحزن
يصلان متأخرين
ويقعدان على كل خطوة مغادرة من خطواتي
لدرجة أن يومي نفسه
يمضي معي
ويجعلني متشابهاً.


.
.


( تمارين الطفولة ) :


أيام الطفولة كنّا نذهب إلى البحر ونقلد الغرقى
هل كنّا فعلاً غرقى
وأننا إذ نتذكر تلك الألعاب
نستعيد الاستغاثة الأولى؟


.
.
( متى تنام ) :


وضعتُ ورقة بيضاء جنب سريري
لم أكتب عليها كلمة
لقد ادّخرتها لمنامي
هذا الذي يلحّ علي الآن :
متى تنام وتسلمني لنفسك؟


.
.


( صحبة قديمة ) :


عند مفرق ما
أصطدم بمستقبلي
وبصعوبة
أتعرف عليه كشخصٍ سبق أن رأيته.


.
.


( الشريك ) :


تعال أيها النفَس
لآخذك معي
لترى بعينك كل ما أخبرته عنه:
نهايتنا معاً.


.
.


( خادمتا الخارج ) :


متخففاً من كل شيء
تاركاً عينيّ تريان عني
شريدتين
خادمتين الخارج الذي تقف حياته على نظرة.


.
.


( كل شيء على حاله ) :


حين عدتُ
وجدتُ كل شيء على حاله
بما فيه
الظلّ الواهن الذي رسمَتْه في الهواء تلويحتي الأخيرة.


.
.


( تلك الرقبة ) :


كيف حصل أن قبضتُ على حياتي بيديّ؟
ثم من يستطيع أن يخلّصها منّي؟
والكل
والجميع
والأشياء المديدة هل كانت لي؟
والحاضر الذي يضرب رأسه بالحائط
والتفكير كتعويض عن النزهات
وعلامة الاستفهام
تلك الرقبة الملوية من الحيرة؟


.
.


( سبب ) :


أحذية عسكر تهرول على الدرج
قطعة عتمة في الأذن
حقل واسع يحدّث نفسه
أقلام رصاص مبرية وجاهزة للكسر
في نومي
سبب يدعوني مجدداً إلى الحياة.


.
.


( مزاعم وحيوانات ) :


صدّقتُ نفسي
وأخذتها بهذه الخدعة
أخذتها ممن يشتهيها
ذلك كان صبراً مبالغاً فيه
وأحاجيج باطلة
تلقائية الحيوانات والحشرات
أعادت إليّ سعادتي
مخدوشة من الخجل.


.
.


( الروايات القديمة ) :


أحب الروايات القديمة
لا لشيء سوى
أنني أحسّ فيها بأن العالم كان واسعاً
هناك
أستطيع أن أتنفس هواء نادراً
وأن أمشي أياماً
لأكتشف - بسبب البيوت المتباعدة -
أنني أضعت الطريق
لكن وقتي المتبقي لم ينقص
عندها كنت أعود
لأعدّ الأشجار مجدداً
نافضاً مع كل نقلة قدم
خطوة من خطواتي.


.
.


( لعبة ) :


أحببتها
تلك اللعبة
التي تعدُّ فيها
طوابقَ كلِّ بناية
وكيف في الطابق الأخير
كان نظركَ يغادرك
ويترككَ تحت
وحيداً
مع هؤلاء الوحيدين.



.
.


( بالتساوي تقريباً ) :


أرى حشداً
بلا تردد
أرتمي عليه
هناك
حيث أكون منسياً من نفسي
وموزّعاً
كأصابع اليد
على البيانو.


.
.


( ماضي القدمين ) :


مايبقى أخيراً
لا الصمت ولا الكلام
بل الأشجار
هكذا كنت أحدث نفسي
وأنا أنتزع اللحم الميت عن كعب قدميّ
أنتزع ماضيهما.


.
.


( مررت في قلبي ) :


اليوم
مررتُ في قلبي
حيث تصفر الريح نفسها
حيث لا شيء يخلص لهذه المنازل
أكثرُ من الهجران.


.
.


( كلمات صغيرة ) :


كلمات صغيرة
لدرجة أنني أستطيع أن أضع بينهما
أصابع حبيبتي
وظنوني كلها.


.
.


( طريقتك في الحب ) :


هذه الدمية التي تحبينها في غيابي
وتستغلّين ملامحها الثابتة
تستغلين صمتها وتملأينه بالحنان
هذه الدمية مثلي مهجورة من نفسها
متروكة للآخرين كي يظنوها.


.
.


( حنان ) :


كدتِ تكتشفين رقّتي
حين دخلتِ فجأة
ورأيتِ تلك القطة الصغيرة التي جلبناها من الشارع
نائمة قربي على الكنبة
وكيف كانت تغمض عينيها ببطء
تحت يدي التي انفصلت عني
وأعلنتْ حنانها


آه نسيتُ أن أقول:
الأشياء التي فيَّ كلّها
تركتني إلى الرقة
تركتني وحيداً وقاسياً
كضرس مات صاحبها.


.
.


( الألبوم العائلي ) :


في الألبوم العائلي
كيف أنكِ كنتِ تكبرين صفحة بعد صفحة
باكية تحت نظرة الأم
المحتجبة في مكان ما خارج الكادر
ساذجة بين الأخوات
سمينة بين زملاء الدراسة
وفي حين كان الجميع يقفون
كنتِ أدركتِ باكراً أسباباً مقنعة للجلوس
وبعينيكِ اللتين يوسعهما الخارج
رحتِ تنظرين كي تفارقي هذا الجسم
في الألبوم الذي يختزل حياة بثلاثين صفحة
وحدها الاستغاثات
تطلُّ مبهمة وخرساء بين صورة وأخرى
إذ لا يستطيع الناظر
أن يخمّن الصوت المناسب لكلِّ صورة.




.
.


( اليقظة المشوشة ) :


أحضنك بيديّ الاثنتين
وبرجلي اليسرى
أنتزعكِ من جسمك
وأرمي بك
في اليقظة المشوّشة للسعي.


.
.


( الريف المجروح ) :


أدفن يدي في يدكِ
أطمرها تحت جلدك الآمن
منذ صار جلدي يهملني ويراقب الخارج
ومن وقت لآخر
أعود إلى شخصي
هذا الريف القديم الذي تجرحه حتى الموضة.


.
.


( ركبتي على حقيقتها ) :


يخطر لي في عز الظلمة
أن أقفز من فراشي وأدخن
لكني بدلاً من ذلك
أضع ركبتي على ظهرك النائم مثلك
ويظن ركبتي مناماً
قومي
العينان أجمل من الليل الذي تحبسينه في رأسك
الظلمة شيء
والليل شيء
قومي لتري ركبتي في الواقع
مطوية على المشي ووهم المشي.
.
.


( ممارسات الهجران ) :


الحبّ هو ما انتهى للتوّ:
في الممر أنهارُ بكاملي
وحولي "بندق"
هرُّ الشارع الذي جلبناه معاً
في كلِّ عضة يقول لي:
الألم أن تعيش بين فكين.


***


أقيس هجرانك
بحركات "بندق"
يركض من غرفة إلى غرفة
وعلى وشك أن يتكلم.


***
أنظري من بعدك:
رجْلي تصطدم بالكنبة
ويدي من فرط إحساسها بي
تكسر
فعلاً تكسر الصحون.


.
.


( استئناف الميت ) :


النجاة والخوف
يجتمعان في سهوكِ
ملتفتة إلى جسمك السمين السابق
ذلك الميت
الذي لم يستطع دفنه أحد.


.
.


الجزء الثاني :


متسولو الوقت.


.
.


( وصولاً إلى الآن ) :


من المسافة الصغيرة بين الستارة وبلاط الغرفة يتسلل الضوء حاملاً معه عصافير محنّطة وأصواتاً ميّتة من جديد.


.
.


( ظلال ) :




عند الظهيرة
ظلُّ شجرة
يستريح تحتها.


***
ينفصل الظلُّ عن صاحبه
لكنه يمشي خلفه
صامتاً، بارداً
معيداً كلَّ حركة
بطريقته الخرقاء.


***
يتمدّد هذا الظلُّ
على الأرض
متعباً
من لعب دور عمود كهربائي.


***
أنا ولدتُ فجأة
كبيراً وقاسياً
- يقول ظلُّ العمود-
أنتَ على الأقل
لديك طفولة
يا جاري
ظلَّ الشجرة.


***
ارتفع الطائر
لكنَّ ظله
بقي ممسكاً بالأرض
وهماً ينوب عن أصل.


***
ظلُّ طائر في السماء
يعود إلى الأرض
خائفاً وقد فقدَ لونه الحقيقي.


.
.


( أغنية الماء في البئر ) :


الماء العميق في البئر
ينظر بيأس واحتقار
إلى الدلو الذي لا يصل
الماء العميق في البئر
يرى السماء من فوّهة
ويعرف أنها واسعة
وأن اصطياد النجوم
لا يحتاج أكثر من الانتظار
الماء العميق في البئر
يجعله عمقه بارداً
كالأفكار التي لم تخطر لأحد


آنفاً من الأسماك
يستدعي إليه
العقارب والأفاعي والسلاحف والأعشاب القاتمة
الماء العميق في البئر
يسحب الضوء إليه ويخنقه
يسحب الأصوات ويخنقها
يأخذ الأشياء التي تُعرض عليه ويصيّرها له
لكنها في غفلة منه
تتسلل إليه
وتقلّد عمقه المهجور.


.
.


( ظنون ) :


لهذه الأشجار ظنون أيضاً
وإلا لكانت بقيت عشباً.


.
.


( الجورب بعد يوم عمل ) :


بعدما استحمَّ جيداً
وجفَّ في الهواء والشمس
عاد الجورب إلى بيته
التفَّ على نفسه
قبضة دافئة
طابة مرحة
كوكباً خالياً من الأقدام.



.
.


( على حبل الغسيل ) :


جوارب على حبل
تنقط منها
خطوات
غُسلت صباح اليوم.


.
.


( طريق ) :


لا يرافقها أحد
هذه الطريق
تذهب وتعود يومياً.


.
.


( كنت واقفاً بين البحر واليابسة ) :


أمام هذا البحر الذي يصفق عريضاً كجمهور
ويراكم مياهه نقطة فوق نقطة
هضاب مقوّسة ومتتالية كالدلافين.


.
.


( في المكان ) :


العصافير الضائعة في الفضاء
الضائعة على الأشجار
الضائعة بهذه الحرية الزائدة
الحالمة بمكان ضيّق
تحفظه وتنساه بسهولة.


.
.


( هنا بالضبط ) :


الصمت والغبار
يتراكمان
واحد إلى الأسفل
وواحد إلى الأعلى
أخيراً يلتقيان
أين؟
هنا
هنا بالضبط
حيث افترقا للمرة الأولى.


.
.


( كما لو كان مكاني ) :


كذلك هو الكلب
لا تربطني به سوى تكشيرته
غضبه الإنساني من لا أحد تقريباً.


.
.


( بعد إغلاق حانة ) :


أغلقت حانة شي أندريه
حزني لشيء واحد:
(( سجق
مقانق
بسطرما
لا يوجد عصافير ))
تلك العبارة التي ظنناها
- في تدافع الحياة -
مجازاً.


.
.


( الليل وعكسه ) :


هذا الليل مثقل بأحلام الناس
بطلباتهم الكثيرة أثناء النوم
لكن قلبه طيّب
بعكس النهار
الذي كلما طلبوا منه شيئاً
يدير ظهره
متذرّعاً بالحقيقة.


.
.


( حيوان الكواكب ) :


بإغماضة عين أستدعي الليل
ذلك أن الضوء ليس صريحاً
كما اعتقدت مراراً
إنه معدم فقط
لدرجة ليس عنده مايخفيه
الضوء حيوان الكواكب
يلهث أمامنا لنصدّق براهينه:
هذا بحر
هذه سماء
هذا شارع
هذه بناية
هذا لون
هذه حفرة
الضوء الثرثار لم يقل لنا مرة نفسه
لم يقل لنا إلا الآخرين
المنشغلين عنه باستعادة النظر.


.
.


( استنطاق الظهيرة ) :


العالم صافٍ في الظهيرة
لا صوت
لا غصن
لا خطوة
وحدها الشمس تسرح على الأرض
مخلّفة الصمت
الذي يعقب كل اكتمال
كأن الظهيرة قناع نفسها.


.
.


( ظلال فعلاً حقيقية ) :


ظلّ شجرة يقطع الطريق
لا يأبه به العابرون
ظلال أخرى قطعت طريقي
بالكاد صدّقتها حين مررتُ بها
إنها تغلق عليّ الآن.


.
.


( انسحاب التحوّل ) :


طائر يبتعد حتى يصير فراشة
بعد الآم من يردّه إلى أصله
من يقنع عينيّ أن شخصاً رآني وصدقني رغماً عني
آه أجل آه
البحر وفكرتنا عنه شيء واحد.


.
.


( خنجر في كتاب ) :


عندي خنجر حربي
أضعه في الكتاب الذي أقرأه
لأحدد الصفحة التي وصلت إليها
خنجر حربي يتمدد متسائلاً:
ما الذي أفعل
أنا الكائن المسنون
وسط هذه الكلمات الميتة؟
.
.
.


( الصوت والسؤال ) :


صوت ورقة يحفّ الأرض
خريف مختصر في هذا الصيف الحار
حياتي أيضاً
يقطع فصولها
مثل هذا السؤال.


.
.


( مقبرة الأوتوبيسات ) :


مررتُ بها
تلك المقبرة
حيث الأوتوبيسات
متروكة
للريح وللشمس
وأيضاً
للقمر
الذي ينزل كلَّ ليلة
ليتأكد بنفسه
من أنها ميتة.


.
.


( الطفلة التي في الأسفل ) :


الطفلة التي في الأسفل
بنظارتها تغطي نصف وجهها
تلعب وترى الأشياء كبيرة
هي أيضاً ستكبر
وسيخلع الطب نظارتها
لكنها ستظل ترى الأشياء كبيرة
أكبر من أن تُحمل أو تُرمى
آه أيتها العطوب
أيتها الذكريات التي لا تنقطع إهانتها.


.
.


( اللواتي بيننا ) :


الفليبينيات بالبيجامات ينزّهن الكلاب أيام العطل
وعلى طول الرصيف
ثمة كلام
نحسبه صمتاً


.
.


( ماحدث للناجيين الوحيدين ) :


يأتيان يومياً إلى المقهى ليشربا القهوة
الأم التي اقتربت من السبعين
والابن العازب الذي غادر الأربعين
وبينما يفعلان ذلك يتشاجران
دائماً يتشاجران
ودائماً يتنازل الابن الذي بدت على جبهته
آثار جروح بالغة
بعد ذلك ينهضان
يمشي الابن أولاً وتتبعه الأم
إنه يتقدّمها ببضع خطوات
ملتفتاً كلَّ مرة إلى الصوت الغاضب خلفه
ينعطفان الآن
وحيدين
نهائيين
مخبّئين عن القدَر ما غفل عنه
عائدين إلى المنزل الذي
ما زالت إلى اليوم
قذيفة واحدة تسقط فيه
وتقتل عائلة ينجو منها اثنان فقط.


.
.


( وحشة مستعادة ) :


من وقت إلى آخر
تمر سيارتها يتبعها - متدرجاً كالتفاتة - هديرها الخاطف
وهنا حيث العائلة كلها نائمة
يقعد الصمت القديم نفسه
واضعاً يده على خدّه
مفتقداً مثلي شخير الأب
وقد دُفنا معاً.


.
.


( أخت بعد الخمسين ) :


الأخت الكبرى
حين يخطر لها المستقبل
تقول أشياء غريبة عن الحياة
تتمتم أمثالاً شعبية
وهناك
بعيداً في عينيها
يلمع
ما كان في السابق دمعاً.


.
.


( منزل الأخت الصغرى ) :


في المرطبان الزجاجي
بقايا متيبسة من مربّى المشمش
وعلى الباب
قشر برتقال
يقود النمل إلى بيت فارغ.


.
.


( أحد أخوتي ) :


أحد أخوتي يهوى جمع العدّة والخردوات:
مفكّات
لاقطات
براغٍ
عزقات
مسامير كأنها نظرات بالطول
يجمعها محدِّثاً نفسه:
الخراب وارد في أي لحظة.


.