
منزل الأخت الصغرى.
ناظم السيّد
شعر - 108 ص
الكوكب-
رياض الريس للكتب والنشر.
.
.
.
الإهداء :
إلى سحر الأطرش فوق الأيدي.
.
.
.
الجزء الأول :
تفريق المفرد
.
.
( نصائح الآخرين ) :
أكتبها على أوراق صغيرة وأضعها في الجارور المعتم
بعد فترة طويلة أو قصيرة أعود إلى هذه النصائح
ولا أتفاجأ حين أجدها لا تشبه تلك التي قُدّمت إليَّ
لهذا أكتبها
تلك النصائح
وأتركها هناك تتغيّر من تلقاء نفسها.
.
.
( هذا الانتظار ) :
في المكان ذاته
حفرتُ طويلاً
وما كان همّي أن أجد شيئاً
أو أثراً أو مقعداً أو حتى عظاماً
كلُّ ما طمحتُ إليه
أن تتغيّر- مع الإصرار- يداي.
.
.
( يوم هناك ) :
من موقعي هذا في البحرِ
أرفع يدي وأقول:
هاي يا أرض
ولدت هناك
لأرافق الآن مشيتكِ بالسباحة والتحيات
لقد صرتُ في المياء
ولا يربطني بكِ سوى هذا الفم العائم
تذكارِ اليابسة.
.
.
( الخيط الأعمى ) :
لو كنت احتكاك الأكتاف في الأماكن المزدحمة
التصفيق المتعاطف
الرقبة التي تلتفت لتغيّر مشهداً وتنقل حياة
أو الثرثرة الحماسية والواهمة للخارجين من صالة سينما
لو كان لي اكتفاء بلاطات الغرفة بالمجاورة
أو النظرة التي لا تعرف ماذا ترى الآن
بعدما فقدت صلتها نهائياً بالعين
لو كنت الخيط الأعمى تدلّه الإبرة على الطريق.
.
.
( بعد السباحة ) :
أسندتُ السماء على سطح بناية
على جبل
على الطرف القصيّ للبحر
على نظرات الممددين على ظهورهم بعد السباحة
غرقى الأعالي.
.
.
( محاصيل ) :
ممداً على ظهري
على بطني
على جمبي
على كلّ الجهات المؤلمة حين تكون الأرض.
.
.
( برهان الوحدة ) :
وحيداً
مثل الماء قرب الماء في البحر
مثل السماء التي تستريح عند الأطراف
وتهذي في الوسط
مثل يد تلوّح لظهر
مثل عين جنب عين
وحيداً
مثل الغابة مع كل هذه الأشجار.
.
.
( استعادات ) :
لا أحب مغادرة شيء
مثلاً
حين أترك بيتاً كنت أستأجره أتألم
حين أتخلى عن كنبةٍ قديمة
أو حذاء كنت أنزّهه بعناية تماماً كقدميّ
العادات السيئة أيضاً أفارقها بندم
الأمراض التي تزول لكنّها تخلّف ألمها الدائم
وهذه الكسور القديمة تحت الجلد
الجروح الموزّعة في الوجه والرأس واليدين والرجلين
أشتاق إلى أوجاعها المعطّلة
الأشياء كلها أعيشها مستعادة
كأن حياتي ليست أكثر من وجه
ملصق بإحكام على نافذة قطار.
.
.
( انتهاء ) :
تخليتُ عن رغبات كثيرة
الرغبة الوحيدة المتبقية
حين أكون عنيداً
أفعل الأشياء بملء إرادتي
كما لو أن ملء الإرادة
نوع من القدَر.
.
.
( آه كم أنا في الوسط ) :
استعملتُ وعودي كلها
و ها أنا
أجلس مع حاضري
ملتصقاً به مرتجفاً
كسابحٍ نادم بين ضفتين
يقيس أمامه بخلفه.
.
.
( فكرة واحدة ) :
عشتُ بفكرة واحدة
قليلاً ومشوّشاً
كعشبةٍ رأت نفسها في عين بقرة.
.
.
( مترجمو النوم ) :
لا، لم أفعل شيئاً في حياتي
سوى هذه الأحلام الخالدة
أناس غيري سيواصلونها
متغلبين بها على العيش
من هذه الأحلام
سيصنع آخرون منازل
سيحرزون تقدماً في وظائفهم
ويربّون أزهاراً شبيهة بالأطفال
الآخرون واقعي.
.
.
( وسائط حياتي ) :
لا أعرف كيف تتراكم الأوراق والكتب في بيتي
لكنني أعرف أنها دليل على كآبتي
هذه قد تكون وقائع حياتي
تماماً كما أتعرّف من خلال الأبراج على يومي
إنها الوسائط تأخذ بيدي
أمام هذا الذي ينتحل حياتي
ويستثني شكلي بينكم.
.
.
( مكابدة المنام ) :
يحدث أن أقوم في منتصف الليل
باحثاً عن صوتي
الذي مازال نائماً
غارقاً في الحلم نفسه
من هنا أراه
مبللاً بالعرق
لاهثاً باتّجاه الواقع.
.
.
( البحر أيضاً يقف قبالتي ) :
يابحر
يا حبة الدواء الكبيرة
يا مقفلاً كدكاكين الظهيرة
يا مثلي
ساذجاً وتظنّ نفسك أزرقَ
إنني أقف قبالتك
بقدم مهزومة وقدم منتصرة
وهذه التي تقول " باي " يدي
قل لها شيئاً
قل لها - مثلاً - التفكير في الآخرين أسهل.
.
.
( آه طبعاً ) :
منذ متى اكتفيتَ من القصائد بعناوينها؟
وصرتَ تظن أن العناوين توازي تأليف كتاب؟
تقول سأكتب كتاباً أسمّيه " علي الميت "
وآخر بعنوان " الوالد الشفهي "
وأصبحت ترتاح لهذا التدبير
لهذه الكلمات القليلة التي يتلوها عالم شاسع وأبيض
أبيض ومؤجل
مؤجل آه طبعاً لكننه متحقق ياحسرة.
.
.
( تمرين النظر ) :
ألمٌ صامت
حتى أشير إليه
عندئذ فقط
يتقدم ويقول لي :
كنت سعيداً من دونك
في السهل جبال محتملة
لا تراها العين
ليست دائرة إذاً
إنها أفعى تعض ذيلها.
.
.
( أناس حقيقيون ) :
لا يخالف أمر الدكتور
أربع حبات يعني أربع حبات
لكنه
حين يمر في شارع الحمرا
يومياً
يرفع يده لأشخاص
ما إن يقترب منهم
حتى يكتشف أنه لم يرهم في حياته
أربع حبات تجعله
سميناً فعلاً
بأشخاص وهميين.
.
.
( الذين يشبهونني ) :
أستخرج أعدائي من جسمي
وبينما أسير على الطريق
ألصقهم بصدور وظهور
بوجوه ورقاب
وأحقد عليهم
هؤلاء الذين يشبهونني الآن
هؤلاء الذين أنتقم بهم من نفسي.
.
.
( ذات مرة وكل مرة ) :
أدور في الشوارع
حاملاً رأسي تحت إبطي
مغلقاً فمه
بيدي التي انتزعتها
من مستقبل شخص آخر.
.
.
( عدت إلى الكنبة ) :
تأملتُ حياتي تحدث قربي
عاجزاً عن وشوشتها
أو حتى قرصها من تحت الطاولة
في الأيام التالية
رافقتها إلى الباب
وعدتُ إلى الكنبة
أنمو مع أشياءٍ كثيرة وصلبة.
.
.
( مرآة السيارة الجانبية ) :
أبتسم لنفسي في وجوه الآخرين
أبتسم لكلِّ شيء تقريباً
لعبارات المراهقين على الجدران
للبحر الجاهل مثلي
أشمله بنظرة غير مقصودة
أرقص في الحانة مقلّداً آلام الحيوانات
أحتاج إلى مبالغات كثيرة
لأقطع هذا الشارع
لأقطع هذا الليل
هذا النهار
لأطرد حالي من مشاعر
كما تطرد مرآة السيارة الجانبية طريقاً وراءها.
.
.
( حين ألتقي بالحظ ) :
وجدتُ متعة في انحرافي عن الحظ
هو أيضاً كان سعيداً في ابتعادي عنه
لنفترض أننا ترافقنا
مالذي سيناله مني
سوى هذه الرفقة المتنكرة له؟
هكذا أحسن
كلٌّ في طريقه
وحين نلتقي لن يضيف واحدنا إلى الآخر شيئاً
نلتقي ندّين : متعباً وناقصاً.
.
.
( ما تبقى من هواياتي ) :
ما حاجتي إلى الزخرفة
أمام هذا الألم
مستسلماً لهوايتي الأخيرة:
أن أخمّن أنواع السيارات من أصواتها
عاجزاً عن معرفة
لماذا لا تموت العصافير وهي تطير.
.
.
( سعيتُ إلى هذا ) :
من الأغاني أتيت
من التكرار
من الخرافات والتقشّف
طامحاً أن أغرق بالقطن
أن أتمدد كالتراب
جاهلاً بكل ثمرة تجهلني.
.
.
( بين جهلين ) :
من الهرّة النائمة على العشب
عرفت أن الهواء لطيف
رافقيني إذاً أيتها الهرّة
مثل عصا الأعمى
تنطق بأرصفة وحيطان
بسلالم وفراغات
رافقيني لأعرف المزيد
مثل أي وسيطٍ بين جهلين.
.
.
( مما كنته ) :
اليأس حين أخرج لمصافحة جميع الناس
حين أخطو خارج نفسي تلك الخطوة الاعتيادية
ومما كنته
أستطيع أن أراقب ذلك الذي تقدّم
كالفجأة بلا ماضٍ
ويداه الوحيدتان بلا أعمى يشجعهما.
.
.
( كنت أسرع منهما ) :
الفرح والحزن
يصلان متأخرين
ويقعدان على كل خطوة مغادرة من خطواتي
لدرجة أن يومي نفسه
يمضي معي
ويجعلني متشابهاً.
.
.
( تمارين الطفولة ) :
أيام الطفولة كنّا نذهب إلى البحر ونقلد الغرقى
هل كنّا فعلاً غرقى
وأننا إذ نتذكر تلك الألعاب
نستعيد الاستغاثة الأولى؟
.
.
( متى تنام ) :
وضعتُ ورقة بيضاء جنب سريري
لم أكتب عليها كلمة
لقد ادّخرتها لمنامي
هذا الذي يلحّ علي الآن :
متى تنام وتسلمني لنفسك؟
.
.
( صحبة قديمة ) :
عند مفرق ما
أصطدم بمستقبلي
وبصعوبة
أتعرف عليه كشخصٍ سبق أن رأيته.
.
.
( الشريك ) :
تعال أيها النفَس
لآخذك معي
لترى بعينك كل ما أخبرته عنه:
نهايتنا معاً.
.
.
( خادمتا الخارج ) :
متخففاً من كل شيء
تاركاً عينيّ تريان عني
شريدتين
خادمتين الخارج الذي تقف حياته على نظرة.
.
.
( كل شيء على حاله ) :
حين عدتُ
وجدتُ كل شيء على حاله
بما فيه
الظلّ الواهن الذي رسمَتْه في الهواء تلويحتي الأخيرة.
.
.
( تلك الرقبة ) :
كيف حصل أن قبضتُ على حياتي بيديّ؟
ثم من يستطيع أن يخلّصها منّي؟
والكل
والجميع
والأشياء المديدة هل كانت لي؟
والحاضر الذي يضرب رأسه بالحائط
والتفكير كتعويض عن النزهات
وعلامة الاستفهام
تلك الرقبة الملوية من الحيرة؟
.
.
( سبب ) :
أحذية عسكر تهرول على الدرج
قطعة عتمة في الأذن
حقل واسع يحدّث نفسه
أقلام رصاص مبرية وجاهزة للكسر
في نومي
سبب يدعوني مجدداً إلى الحياة.
.
.
( مزاعم وحيوانات ) :
صدّقتُ نفسي
وأخذتها بهذه الخدعة
أخذتها ممن يشتهيها
ذلك كان صبراً مبالغاً فيه
وأحاجيج باطلة
تلقائية الحيوانات والحشرات
أعادت إليّ سعادتي
مخدوشة من الخجل.
.
.
( الروايات القديمة ) :
أحب الروايات القديمة
لا لشيء سوى
أنني أحسّ فيها بأن العالم كان واسعاً
هناك
أستطيع أن أتنفس هواء نادراً
وأن أمشي أياماً
لأكتشف - بسبب البيوت المتباعدة -
أنني أضعت الطريق
لكن وقتي المتبقي لم ينقص
عندها كنت أعود
لأعدّ الأشجار مجدداً
نافضاً مع كل نقلة قدم
خطوة من خطواتي.
.
.
( لعبة ) :
أحببتها
تلك اللعبة
التي تعدُّ فيها
طوابقَ كلِّ بناية
وكيف في الطابق الأخير
كان نظركَ يغادرك
ويترككَ تحت
وحيداً
مع هؤلاء الوحيدين.
.
.
( بالتساوي تقريباً ) :
أرى حشداً
بلا تردد
أرتمي عليه
هناك
حيث أكون منسياً من نفسي
وموزّعاً
كأصابع اليد
على البيانو.
.
.
( ماضي القدمين ) :
مايبقى أخيراً
لا الصمت ولا الكلام
بل الأشجار
هكذا كنت أحدث نفسي
وأنا أنتزع اللحم الميت عن كعب قدميّ
أنتزع ماضيهما.
.
.
( مررت في قلبي ) :
اليوم
مررتُ في قلبي
حيث تصفر الريح نفسها
حيث لا شيء يخلص لهذه المنازل
أكثرُ من الهجران.
.
.
( كلمات صغيرة ) :
كلمات صغيرة
لدرجة أنني أستطيع أن أضع بينهما
أصابع حبيبتي
وظنوني كلها.
.
.
( طريقتك في الحب ) :
هذه الدمية التي تحبينها في غيابي
وتستغلّين ملامحها الثابتة
تستغلين صمتها وتملأينه بالحنان
هذه الدمية مثلي مهجورة من نفسها
متروكة للآخرين كي يظنوها.
.
.
( حنان ) :
كدتِ تكتشفين رقّتي
حين دخلتِ فجأة
ورأيتِ تلك القطة الصغيرة التي جلبناها من الشارع
نائمة قربي على الكنبة
وكيف كانت تغمض عينيها ببطء
تحت يدي التي انفصلت عني
وأعلنتْ حنانها
آه نسيتُ أن أقول:
الأشياء التي فيَّ كلّها
تركتني إلى الرقة
تركتني وحيداً وقاسياً
كضرس مات صاحبها.
.
.
( الألبوم العائلي ) :
في الألبوم العائلي
كيف أنكِ كنتِ تكبرين صفحة بعد صفحة
باكية تحت نظرة الأم
المحتجبة في مكان ما خارج الكادر
ساذجة بين الأخوات
سمينة بين زملاء الدراسة
وفي حين كان الجميع يقفون
كنتِ أدركتِ باكراً أسباباً مقنعة للجلوس
وبعينيكِ اللتين يوسعهما الخارج
رحتِ تنظرين كي تفارقي هذا الجسم
في الألبوم الذي يختزل حياة بثلاثين صفحة
وحدها الاستغاثات
تطلُّ مبهمة وخرساء بين صورة وأخرى
إذ لا يستطيع الناظر
أن يخمّن الصوت المناسب لكلِّ صورة.
.
.
( اليقظة المشوشة ) :
أحضنك بيديّ الاثنتين
وبرجلي اليسرى
أنتزعكِ من جسمك
وأرمي بك
في اليقظة المشوّشة للسعي.
.
.
( الريف المجروح ) :
أدفن يدي في يدكِ
أطمرها تحت جلدك الآمن
منذ صار جلدي يهملني ويراقب الخارج
ومن وقت لآخر
أعود إلى شخصي
هذا الريف القديم الذي تجرحه حتى الموضة.
.
.
( ركبتي على حقيقتها ) :
يخطر لي في عز الظلمة
أن أقفز من فراشي وأدخن
لكني بدلاً من ذلك
أضع ركبتي على ظهرك النائم مثلك
ويظن ركبتي مناماً
قومي
العينان أجمل من الليل الذي تحبسينه في رأسك
الظلمة شيء
والليل شيء
قومي لتري ركبتي في الواقع
مطوية على المشي ووهم المشي.
.
.
( ممارسات الهجران ) :
الحبّ هو ما انتهى للتوّ:
في الممر أنهارُ بكاملي
وحولي "بندق"
هرُّ الشارع الذي جلبناه معاً
في كلِّ عضة يقول لي:
الألم أن تعيش بين فكين.
***
أقيس هجرانك
بحركات "بندق"
يركض من غرفة إلى غرفة
وعلى وشك أن يتكلم.
***
أنظري من بعدك:
رجْلي تصطدم بالكنبة
ويدي من فرط إحساسها بي
تكسر
فعلاً تكسر الصحون.
.
.
( استئناف الميت ) :
النجاة والخوف
يجتمعان في سهوكِ
ملتفتة إلى جسمك السمين السابق
ذلك الميت
الذي لم يستطع دفنه أحد.
.
.
الجزء الثاني :
متسولو الوقت.
.
.
( وصولاً إلى الآن ) :
من المسافة الصغيرة بين الستارة وبلاط الغرفة يتسلل الضوء حاملاً معه عصافير محنّطة وأصواتاً ميّتة من جديد.
.
.
( ظلال ) :
عند الظهيرة
ظلُّ شجرة
يستريح تحتها.
***
ينفصل الظلُّ عن صاحبه
لكنه يمشي خلفه
صامتاً، بارداً
معيداً كلَّ حركة
بطريقته الخرقاء.
***
يتمدّد هذا الظلُّ
على الأرض
متعباً
من لعب دور عمود كهربائي.
***
أنا ولدتُ فجأة
كبيراً وقاسياً
- يقول ظلُّ العمود-
أنتَ على الأقل
لديك طفولة
يا جاري
ظلَّ الشجرة.
***
ارتفع الطائر
لكنَّ ظله
بقي ممسكاً بالأرض
وهماً ينوب عن أصل.
***
ظلُّ طائر في السماء
يعود إلى الأرض
خائفاً وقد فقدَ لونه الحقيقي.
.
.
( أغنية الماء في البئر ) :
الماء العميق في البئر
ينظر بيأس واحتقار
إلى الدلو الذي لا يصل
الماء العميق في البئر
يرى السماء من فوّهة
ويعرف أنها واسعة
وأن اصطياد النجوم
لا يحتاج أكثر من الانتظار
الماء العميق في البئر
يجعله عمقه بارداً
كالأفكار التي لم تخطر لأحد
آنفاً من الأسماك
يستدعي إليه
العقارب والأفاعي والسلاحف والأعشاب القاتمة
الماء العميق في البئر
يسحب الضوء إليه ويخنقه
يسحب الأصوات ويخنقها
يأخذ الأشياء التي تُعرض عليه ويصيّرها له
لكنها في غفلة منه
تتسلل إليه
وتقلّد عمقه المهجور.
.
.
( ظنون ) :
لهذه الأشجار ظنون أيضاً
وإلا لكانت بقيت عشباً.
.
.
( الجورب بعد يوم عمل ) :
بعدما استحمَّ جيداً
وجفَّ في الهواء والشمس
عاد الجورب إلى بيته
التفَّ على نفسه
قبضة دافئة
طابة مرحة
كوكباً خالياً من الأقدام.
.
.
( على حبل الغسيل ) :
جوارب على حبل
تنقط منها
خطوات
غُسلت صباح اليوم.
.
.
( طريق ) :
لا يرافقها أحد
هذه الطريق
تذهب وتعود يومياً.
.
.
( كنت واقفاً بين البحر واليابسة ) :
أمام هذا البحر الذي يصفق عريضاً كجمهور
ويراكم مياهه نقطة فوق نقطة
هضاب مقوّسة ومتتالية كالدلافين.
.
.
( في المكان ) :
العصافير الضائعة في الفضاء
الضائعة على الأشجار
الضائعة بهذه الحرية الزائدة
الحالمة بمكان ضيّق
تحفظه وتنساه بسهولة.
.
.
( هنا بالضبط ) :
الصمت والغبار
يتراكمان
واحد إلى الأسفل
وواحد إلى الأعلى
أخيراً يلتقيان
أين؟
هنا
هنا بالضبط
حيث افترقا للمرة الأولى.
.
.
( كما لو كان مكاني ) :
كذلك هو الكلب
لا تربطني به سوى تكشيرته
غضبه الإنساني من لا أحد تقريباً.
.
.
( بعد إغلاق حانة ) :
أغلقت حانة شي أندريه
حزني لشيء واحد:
(( سجق
مقانق
بسطرما
لا يوجد عصافير ))
تلك العبارة التي ظنناها
- في تدافع الحياة -
مجازاً.
.
.
( الليل وعكسه ) :
هذا الليل مثقل بأحلام الناس
بطلباتهم الكثيرة أثناء النوم
لكن قلبه طيّب
بعكس النهار
الذي كلما طلبوا منه شيئاً
يدير ظهره
متذرّعاً بالحقيقة.
.
.
( حيوان الكواكب ) :
بإغماضة عين أستدعي الليل
ذلك أن الضوء ليس صريحاً
كما اعتقدت مراراً
إنه معدم فقط
لدرجة ليس عنده مايخفيه
الضوء حيوان الكواكب
يلهث أمامنا لنصدّق براهينه:
هذا بحر
هذه سماء
هذا شارع
هذه بناية
هذا لون
هذه حفرة
الضوء الثرثار لم يقل لنا مرة نفسه
لم يقل لنا إلا الآخرين
المنشغلين عنه باستعادة النظر.
.
.
( استنطاق الظهيرة ) :
العالم صافٍ في الظهيرة
لا صوت
لا غصن
لا خطوة
وحدها الشمس تسرح على الأرض
مخلّفة الصمت
الذي يعقب كل اكتمال
كأن الظهيرة قناع نفسها.
.
.
( ظلال فعلاً حقيقية ) :
ظلّ شجرة يقطع الطريق
لا يأبه به العابرون
ظلال أخرى قطعت طريقي
بالكاد صدّقتها حين مررتُ بها
إنها تغلق عليّ الآن.
.
.
( انسحاب التحوّل ) :
طائر يبتعد حتى يصير فراشة
بعد الآم من يردّه إلى أصله
من يقنع عينيّ أن شخصاً رآني وصدقني رغماً عني
آه أجل آه
البحر وفكرتنا عنه شيء واحد.
.
.
( خنجر في كتاب ) :
عندي خنجر حربي
أضعه في الكتاب الذي أقرأه
لأحدد الصفحة التي وصلت إليها
خنجر حربي يتمدد متسائلاً:
ما الذي أفعل
أنا الكائن المسنون
وسط هذه الكلمات الميتة؟
.
.
.
( الصوت والسؤال ) :
صوت ورقة يحفّ الأرض
خريف مختصر في هذا الصيف الحار
حياتي أيضاً
يقطع فصولها
مثل هذا السؤال.
.
.
( مقبرة الأوتوبيسات ) :
مررتُ بها
تلك المقبرة
حيث الأوتوبيسات
متروكة
للريح وللشمس
وأيضاً
للقمر
الذي ينزل كلَّ ليلة
ليتأكد بنفسه
من أنها ميتة.
.
.
( الطفلة التي في الأسفل ) :
الطفلة التي في الأسفل
بنظارتها تغطي نصف وجهها
تلعب وترى الأشياء كبيرة
هي أيضاً ستكبر
وسيخلع الطب نظارتها
لكنها ستظل ترى الأشياء كبيرة
أكبر من أن تُحمل أو تُرمى
آه أيتها العطوب
أيتها الذكريات التي لا تنقطع إهانتها.
.
.
( اللواتي بيننا ) :
الفليبينيات بالبيجامات ينزّهن الكلاب أيام العطل
وعلى طول الرصيف
ثمة كلام
نحسبه صمتاً
.
.
( ماحدث للناجيين الوحيدين ) :
يأتيان يومياً إلى المقهى ليشربا القهوة
الأم التي اقتربت من السبعين
والابن العازب الذي غادر الأربعين
وبينما يفعلان ذلك يتشاجران
دائماً يتشاجران
ودائماً يتنازل الابن الذي بدت على جبهته
آثار جروح بالغة
بعد ذلك ينهضان
يمشي الابن أولاً وتتبعه الأم
إنه يتقدّمها ببضع خطوات
ملتفتاً كلَّ مرة إلى الصوت الغاضب خلفه
ينعطفان الآن
وحيدين
نهائيين
مخبّئين عن القدَر ما غفل عنه
عائدين إلى المنزل الذي
ما زالت إلى اليوم
قذيفة واحدة تسقط فيه
وتقتل عائلة ينجو منها اثنان فقط.
.
.
( وحشة مستعادة ) :
من وقت إلى آخر
تمر سيارتها يتبعها - متدرجاً كالتفاتة - هديرها الخاطف
وهنا حيث العائلة كلها نائمة
يقعد الصمت القديم نفسه
واضعاً يده على خدّه
مفتقداً مثلي شخير الأب
وقد دُفنا معاً.
.
.
( أخت بعد الخمسين ) :
الأخت الكبرى
حين يخطر لها المستقبل
تقول أشياء غريبة عن الحياة
تتمتم أمثالاً شعبية
وهناك
بعيداً في عينيها
يلمع
ما كان في السابق دمعاً.
.
.
( منزل الأخت الصغرى ) :
في المرطبان الزجاجي
بقايا متيبسة من مربّى المشمش
وعلى الباب
قشر برتقال
يقود النمل إلى بيت فارغ.
.
.
( أحد أخوتي ) :
أحد أخوتي يهوى جمع العدّة والخردوات:
مفكّات
لاقطات
براغٍ
عزقات
مسامير كأنها نظرات بالطول
يجمعها محدِّثاً نفسه:
الخراب وارد في أي لحظة.
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق